لعقود طويلة، استقرت العقيدة العلمية عند علماء الفيزياء النظرية على وجود أربع قوى أساسية في الكون، يحكم العلاقة بينها نموذج قياسي لطالما جاهد علماء الفيزياء على تطويره وتنقيحه من كل شائبة وعيب، غير أن ذلك النموذج أصبح مؤخرًا في مهب ريح التغيير، فقد أسفرت تجربة جديدة عن نتائج ربما تعصف بفهمنا المعاصر للفيزياء الحديثة.

 ففي ورقة بحثية، نشرت في إبريل الماضي على موقع «أرخيف» الشهير، وتخضع في الوقت الحالي لمناقشة جادة من جانب المجتمع العلمي، أفادت مجموعة من العلماء بحصولها على أدلة تُشير إلى وجود قوة خامسة في الكون.

نتائج صادمة

بدأت القصة قبل عام، وبالتحديد داخل أروقة معهد الأبحاث النووية التابع للأكاديمية المجرية للعلوم، في أثناء تنفيذ تجربة اعتيادية تهدف إلى إماطة اللثام عن طبيعة المادة المظلمة في الكون، عندما عثر علماء الفيزياء على شذوذً في النتائج لم يكن متوقعًا.

بدأت التجربة بقذف ذرات الليثيوم-7 بمجموعة من البروتونات، غير أن النتائج جاءت صادمة؛ فعبر تحليل البيانات الناتجة عن عملية القذف، عثر العلماء المجريون على بوزون جديد –وهو نوع من الجسيمات الأولية التي تُكسب المادة كتلتها- وقالوا إن القياسات تُفيد أنه أثقل من الإلكترون بنحو 32.7 مرة «ما يعني وجود جسيم جديد وفيزياء جديدة غير معروفة» على حد قول الدكتور عادل عوض، أستاذ الفيزياء النظرية بالجامعة البريطانية وجامعة عين شمس.

فعلى مدى أكثر من 80 عامًا، جمع الفلكيون بانتظام أدلة غير مباشرة على وجود المادة المظلمة، والجميع تقريبًا يتقبل ذلك على أنه حقيقة. لكن الأدلة العلمية لا تزال غير كافية؛ إذ إنه لا يمكن استبعاد البدائل بشكل حاسم. كما أنه لا يتوفر لدينا الكثير عن خصائص هذه المادة المفترضة. إن كل ما نعرفه بشكل جوهري هو أن المادة المظلمة تتكتل معًا موفرةً مرتكزًا ثقاليًّا للمجرات وللبنى الأكبر من قبيل تجمعات المجرات. لكن المؤكد تقريبًا هو أنها تتكون من نوع من الجسيمات الأولية غير المكتشَفة حتى الآن، وفق ما جاء في عدد مجلة العلوم الصادر في (أغسطس/ سبتمبر 2003).

انتهت التجربة، ونشر الفيزيائيون المجريون نتائجها «المبهمة» على منصة «أرخايف»، وساد الجدل الأوساط العلمية، إذ قال البعض إن الجسيم الجديد ربما يفسر ظاهرة المادة المظلمة، إلا أن مجموعةً من العلماء الأمريكيين قرروا دراسة حالة الشذوذ ليخرجوا بنتائج قد تقلب علم الفيزياء رأسًا على عقب.

لم يكن أي عالم يفيد باحتمالية أن يكون ذلك البوزون مسؤولاً عن حمل أي قوة أساسية كونية، إلا أن الفريق العلمي الأمريكي بقيادة أستاذ الفيزياء النظرية «جوناثان فينج» رأى احتمالية أن يكون ذلك الجسيم مسؤولًا عن حمل قوة خامسة في الكون.

قوة كونية خامسة

حلل الفريق البحثي التابع لجامعة كاليفورنيا الأمريكية برئاسة «فينج» النتائج التي توصل إليها الفريق المجري. وعبر دراسة تحليلية وإحصائية، توصل إلى احتمالية يصفها «فينج» بـ«الثورية»؛ فالجسيم المكتشف يشبه الفوتونات لكنه يملك كُتلة تُعادل 2% من كتلة البروتون، ولم تصفه أي تجربة فيزيائية سابقة، كما كشفوا عن أن البيانات التي نشرها الفريق المجري لم تأتِ من الفوتونات المظلمة أو حتى من جسيمات المادة الاعتيادية المعروفة، لكن من بوزون يحمل قوة أساسية خامسة في الكون.

القوة الخامسة إذا كانت موجودة بالفعل فهي ضعيفة جدًّا، إذ إن طاقتها لن تتعدى 17 فيرمي – الفيرمي أعلى مستوى طاقة يشغلها إلكترون عند درجة الصفر المطلق- حسب الدكتور «جوناثان فينج» الذي يقول في تصريحات لـ«للعلم» إن إثبات وجود القوة الأساسية الخامسة في الكون لا يزال في حاجة إلى مزيد من التجارب بغرض دحض وجودها أو إثباته.

ويشير«فينج» إلى أن فريقه البحثي استعان بنتائج تجريبية قام بها الفريق المجري: «قمنا بتحليل البيانات فقط، لم نقم بإجراء التجربة بأنفسنا» غير أنه عاد وأكد أن إثبات وجود القوة الخامسة «سيصنع حراكًا ثوريًّا في الفيزياء الحديثة، فسوف يتغير فهمنا للجسيمات والقوى الأساسية، وقد يكون الاكتشاف له عظيم الأثر على فهم المادة المظلمة، التي تُشكل 85% من المادة بالكون».

حتى الآن، يقول العلماء إن هناك 4 قوى أساسية في الكون، وهي: القوى الكهرومغناطيسية التي تنشأ كنتيجة مباشرة لحركة الشحنات، والقوى النووية القوية المسؤولة عن الترابط بين البروتونات والنيوترونات داخل الذرة، والقوى النووية الضعيفة التي تُعطي نشاطًا إشعاعيًّا لنواة الذرة، والأخيرة هي قوة الجاذبية، والتي تعمل على نطاق الكتل، ووفق النموذج القياسي للفيزياء؛ فإن كل قوة من الأربع تُحمّل على جسيم معروف، فالنووية القوية تمثلها الجلونات، والنووية الضعيفة تمثلها البوزونات، والقوى المغناطيسية تمثلها الفوتونات المسؤولة بالتبعية عن نقل تلك القوة.

ويتساءل الدكتور عادل عوض -أستاذ الفيزياء النظرية بالجامعة البريطانية وجامعة عين شمس- عما إذا كانت القوى الأربع هي الوحيدة في الكون، ويجيب في اللحظة نفسها: «تجربة المجريين التي حلل نتائجها علماء أمريكان قد تكون بداية اكتشاف قوة جديدة كُليًّا».

يرى عوض أن هناك تجربتين أساسيتين ستحسمان إذا ما كانت القوة الخامسة موجودة بالفعل أم لا، الأولى هي تجربة الضوء المظلم، والثانية تجربة التصادم الهيدروني التي سيتم إجراؤها في مركز الطاقة النووية الأوروبي «سيرن». ويقول أستاذ الفيزياء إن كل الاحتمالات مفتوحة، فربما يكون الجسيم مجرد بوزون إضافي تم اكتشافه حديثًا، وربما يكون هذا الجسيم يحمل بالفعل قوة خامسة و«وقتها، سيتغير مفهومنا عن الفيزياء للأبد».

تعديلات جوهرية

إن تعديلات النموذج القياسي في الفيزياء النظرية لن تكون هي الأثر الوحيد لوجود تلك القوة حال اكتشافها وإثباتها بالفعل، فستكون هناك تعديلات جوهرية على علاقات تلك القوة بالقوى الأساسية الأربع، ومدى تأثيرها في الكون من حولنا، ومدى تفاعل الجسيم الحديث مع الجسيمات المعروفة سابقًا، وهو ما سيحدد نموذجًا قياسيًّا جديدًا.

«إن الادعاءات الكبيرة تحتاج إلى أدلة ضخمة» يقول الدكتور محمد صبري يوسف، أستاذ الفيزياء الحيوية بجامعة إلينوي الأمريكية، والمهتم بفلسفة العلوم، والذي يقلل من رصانة هذه التجربة كدليل قاطع على وجود تلك القوى، مضيفًا أن علينا أن نتذكر الضجة التي صاحبت ادعاء وجود جسيم له سرعة تفوق سرعة الضوء، والذي ثبت بعد ذلك خطؤه نتيجة قصور شديد في إجراء التجربة. لذا يجب التمهل كثيرًا قبل الحديث بشكل قاطع عن وجود "القوة الخامسة".

ويرى دون لينكولن -عالم الفيزياء النظرية بمعهد فيرملاب الأمريكي للطاقات العالية- أن النظريات والاكتشافات التي تزعم وجود القوة الخامسة لها تاريخ متقلب، وتعود إلى عقود سابقة، «إلا أنها تختفي بمجرد ظهور بيانات موثقة»، وفق تصريحه لـ«للعلم»، غير أنه يعود ويؤكد أن الفرضية الجديدة «ليست سخيفة على الإطلاق»، مشيرًا إلى وجود عدد من الأحاجِيّ التي لا يُمكن تفسيرها بنظريات الفيزياء الحديثة، منها على سبيل المثال وجود المادة المظلمة، «وبالتالي يحاول العلماء تفسير تلك الألغاز كل يوم» على حد قوله.

لكن، هل يُرجح لينكولن وجود القوة الخامسة؟ سؤال يقول عالِم الفيزياء إنه لن يستطيع الإجابة عنه، "في تلك الحالة البيانات هي الملك، وأفضل طريقة لتقدير صحة الأمر هي الانتظار وإجراء تجارب موسعة".